أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

99

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : وَقالَ . يجوز أن يكون الفاعل ضمير نوح - عليه السّلام - ، ويجوز أن يكون ضمير الباري تعالى ، أي : وقال اللّه لنوح ومن معه ، و « فِيها » متعلق ب « ارْكَبُوا » وعدي ب « في » لتضمنه معنى : ادخلوا فيها راكبين أو سيروا فيها . وقيل : تقديره : اركبوا الماء فيها وقيل : « في » زائد للتوكيد . قوله : بِسْمِ اللَّهِ يجوز أن يكون هذا الجار والمجرور حالا من فاعل « ارْكَبُوا » أو من هاء « فِيها » ، ويكون « مَجْراها وَمُرْساها » فاعلين بالاستقرار ، الذي تضمنه الجار لوقوعه حالا ، ويجوز أن يكون « بِسْمِ اللَّهِ » خبرا مقدما ، و « مَجْراها » مبتدأ مؤخرا ، والجملة أيضا حال مما تقدم ، وهي على كلا التقديرين حال مقدرة كذا أعزبه أبو البقاء وغيره ، إلّا أنّ مكيّا منع ذلك لخلو الجملة من ضمير يعود على ذي الحال إذا أعربنا الجملة أو الجار حالا من فاعل « ارْكَبُوا » قال : « ولا يحسن أن تكون هذه الجملة حالا من فاعل « اركبوا » ، لأنه لا عائد في الجملة يعود على المضمر في « ارْكَبُوا » ، لأن المضمر في « بِسْمِ اللَّهِ » إن جعلته خبرا ل « مَجْراها » فإنما يعود على المبتدأ ، وهو « مَجْراها » ، وإن رفعت « مَجْراها » بالظرف لم يكن فيه ضمير لها في مجراها وإنما يعود على الضمير في « فِيها » وإذا نصبت « مَجْراها » على الظرف عمل فيه « بِسْمِ اللَّهِ » ، وكانت الجملة حالا من فاعل « ارْكَبُوا » . وقيل : « بِسْمِ اللَّهِ » حال من فاعل « ارْكَبُوا » و « مَجْراها وَمُرْساها » في موضع الظرف المكاني أو الزماني ، والتقدير : اركبوا مسمين موضع جريانها ورسوها أو وقت جريانها ورسوها ، والعامل في هذين الظرفين حينئذ ما تضمنه « بِسْمِ اللَّهِ » من الاستقرار ، والتقدير : اركبوا فيها متبركين باسم اللّه في هذين المكانين أو الوقتين . قال مكي : « ولا يجوز أن يكون العامل فيهما « ارْكَبُوا » ، لأنه لم يرد اركبوا فيها في وقت الجري والرسو ، إنما سمّوا اسم اللّه في وقت الجري الرسو » . ويجوز أيضا أن يكون « مَجْراها وَمُرْساها مصدرين » ، و « بِسْمِ اللَّهِ » حال كما تقدم رافعا لهذين المصدرين على الفاعلية ، أي : استقر باسم اللّه اجراؤها وارساؤها ، ولا يكون الجار حينئذ إلّا حالا من « ها » في « فِيها » لوجود الرابط ، ولا يكون حالا من فاعل « ارْكَبُوا » ، لعدم وجود الرابط وعلى هذه الأعاريب يكون الكلام جملة واحدة . ويجوز أن يكون « بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها » جملة مستأنفة لا تعلق لها بالأولى من حيث الإعراب ، ويكون قد أمرهم في الجملة الأولى بالركوب ، وأخبر بان مجراها ومرساها باسم اللّه . وفي التفسير : كان إذا قال « بِسْمِ اللَّهِ » وقفت ، وإذا قالها جرت عند إرادته ذلك ، فالجملتان محكيتان ب « قالَ » . وقرأ الأخوان وحفص « مَجْراها » بفتح الميم ، والباقون بضمها ، واتفق السبعة على ضم ميم « مُرْساها » ، وقد قرأ ابن مسعود وعيسى الثقفي وزيد بن علي والأعمش « مرساها » بفتح الميم أيضا ، فالضم فيهما لأنهما من « أجرى وأرسى » . والفتح لأنهما من « جرت ورست » وهما إما ظرف زمان أو مكان أو مصدران على ما سبق من التقادير ، وقرأ الضحاك والنخعي وابن وثاب ومجاهد وأبو رجاء والكلبي والجحدري وابن جندب « مجريها ومرسيها » بكسر الراء والسين بعدها ياء صريحة ، ، وهما اسما فاعلين من « أجرى ، وأرسى » ، وتخريجهما على أنهما بدلان من اسم اللّه تعالى . وقال ابن عطية وأبو البقاء ومكي : أنهما نعتان للّه تعالى . وهذا الذي ذكروه إنما يتم على تقدير كونهما معرفتين بتمحض الإضافة . وقد قال الخليل : « إنّ كلّ إضافة غير محضة قد تجعل محضة إلا إضافة الصفة المشبهة فلا تتمحض . وقال مكي : ولو جعلت « مَجْراها وَمُرْساها » في موضع اسم الفاعل لكانت حالا مقدرة ، ولجاز ذلك ، ولجعلتها في موضع نصب على الحال من اسم اللّه تعالى . قلت : وقد طول مكي - رحمه اللّه في هذه المسألة ، وقال في آخرها : « وهذه المسألة يوقف بها على جميع « ما كان » في الكلام ، والقرآن من نظيرها ، وذلك لمن فهمها حق فهمها وتدبرها حق تدبرها ، فهي من غرر المسائل المشكلة » .